طفولـة , شاعـر .. ! لا تربطهـا بالشعـر صلـه . .

 

فـي حارة " مئذنـة الشحـم " .. أحـد أحيـاء دمشـق القديمة , وفـي يـوم 21 مـارس , 1923 ! . . ولـد شاعـر الحـب , و الثورهـ , والسياسـه .. ! أو كمـا يسمّـى .. " نصيـر المرأهـ " .. نـزار قبـّـانـي , فـي بيـت دمشـقي أصيـل .. وكـان " الدلال " نصيبـه الأوفـر لـه من بيـن إخوتـه .. حتـّى كـانت أمـّـه ترضعـه حتـى بـلغ السابعـة مـن العمـر .. , وقـامت بإطعامـه بيديهـا .. حتـى بلغ الثـالثـة عشـر !

 

لـم يكـن الوحيـد بيـن افـراد عائلتـه الـذي اهتـم بالفـن , فقـد كـان عمّـه " أبو خليـل القبانـي " , مـن أوائل المبدعيـن في فـن المسـرح العربـي

 

وفـي محاولتـه لـ إكتشـاف نفسـه .. , جرّب نـزار اموراً كثيـرة قبـل بدايتـه فـي الكتـابة ومعانـقة الأحـرف .. فقـد إهتـوى الرسـم, و كان بطفولتـه مولعـاً بالألـوان , وصباغـة الجـدران بهـا ! .. بيـد أنه عـرف سريعـاً أنه لا تربطـه بالرسـم علاقـة حميمـة . , فـ توجّـه للغنـاء و التلحيـن , لكـن سريعـاً ما صـرف النـظر عنهـا وشبـّه صعوبتهـا بالـ رياضيـات !!



 

أمـواج " رومـا " , أعلنـت ميـلادهـ الشعـري ... !

 

بعمـر السادسـة عشـر , وعلـى ضفـاف أحـد أنهـار " رومـا " , فـي رحلـه لـ نـزار .. مـع مَدْرَسَتِـه , أسَرَتـه حينهـا الأمـواج وتصادمهـا .. فـرأى نفسـه يردد بيتـا .. ثـم آخـر , حتـى كتـب مجموعة من الأبيـات .. وذهـب سريعـاً لكتابتهـا على ورقـه لكـي لا ينساهـا .. , و حفـظ تلـك الورقـه بعيـد عن أعيـن أصحابـه , كـي لا يسخـروا منـه ..حتّـى نـام فـي ليلتـه تلك .. وهـي أول ليلـه ينـام بهـا كـ شاعـر .. ! لـم يخـطر ببالـه قد إن هـذه الابيـات .. كـانت قطرهـ تسبـق غيثـاً .. او حـرفاً بمقدمـة كتاب , لـ اسطورهـ شعريه يصعـب إن يوجـد فـي القـرن مثلهـا اثنـين .. وكـان هـذا اليـوم , الموافـق 15 أغسطـس عـام 1939 .. تاريـخ ميـلادهـ الشعـري .. !

نصيــر المـرأة ... !

 

هكذا لـقّب شاعرنـا , فحيـن انهـى دراستـه والتحـق بـ كليـة الحـقوق .. لدراسـة القانـون , لـم يمـارس ابداً غيـر قضيـّـة يتيـمة .. وهـي قضيـّة الدفاع عـن المرأه , وربمـا كـانت اسـباب هـذه كبيـره مـن حيـث التـطّور والانفتـاح .. لكـن أهـم الأسـباب الي اثـّرت عـلى نـزار .. تعلقـه الكبيـر بـ امـه وعلاقتـه الحميمـه والقويّـه جداً بهـا .. والسبب الأهـم .. هـو انتـحـار شقيقتـه !! حيـن أصروّا عـلى تزويجهـا بشخـص لا تريـد الإرتبـاط بـه .. فـلم يكـن بيدهـا سـوى الإنتحــار .. !

 

وهـو طالـب فـي كليـّـة الحقـوق أصـدر شاعرنـا .. ديوانـه الأول بـ عنـوان " قـالت لـي السمـراء " .. فـي العـام 1944 بـ نفقتـه الخـاصه وبمساعدة أمه .. طبـع حوالـي 300 نسخـة !

 

وقـد قـام الوزيـر منيـر العجـلاني بـ عمـل مقدمّـة لـ هـذا الديوان الأول للشاعـر الشـاب .. وقـال فـي مقدمتـه

 

" وكأني أجد في طبيعتك الشاعرة روائح بودلير وفيرلين والبير سامان وغيرهم من أصحاب الشعر الرمزي والشعر النقي... لا أسألك... لا أسأل الله إلا شيئاً واحداً، أن تبقى كما أنت، طفلاً يصور.. ويعشق.. كأنه ملاك يمشي على الأرض ويعيش في السماء... إنك تمر مرور الموكب الملكي أو الملائكي "

 

ويقـول متنبئاً عـن مستقـبل نـزار

 

" ومن يدري لعل القدر يخبئ لنا فيك شاعراً عالمياً تسبح أشعاره من بلد إلى بلد وتمر من أمة إلى أمة "

 

ولـم يكـن بمقـدور الوزيـر منير العجـلاني تصـوّر مـدى صحّة تلـك العبارهـ التي قالهـا .. !

 

وعلـّق نـزار قائلاً عـن ردّة فعـل النـاس لـ هـذا الوجـه الجديد , الـذي ابتـدى مسيرتـه الشعريـه بـ ديوان صاخـب , يحتـوي عـلى العـديد مـن القصـائد " الغيـر معتـاده " والقصائـد الـي قامـت بـ نقـد الكثير مـن العـادات الموجودة

 

" "لقد هاجموني بشراسة وحش مطعون, وكان لحمي يومئذ طريا"



 

بدايـة سياسـة الشاعـر .. !

 

تخـرج نـزار من كليـة الحقـوق فـي العـام 1945 .. والتـحق بالسلـك الدبلوماسـي .. واشتغل فـي وزارة الخارجيـة وانتقـل فـي العام ذاتـة إلـى " القاهـرة " لـ يعمـل فـي السفارة السـورية هنـاك .. وكانت تتمتـع القاهرة حينهـا بـ قوّة ونشاط دورهـا الثقافـي والإعـلامي والصحافـي .. و عـاد نـزار فـي هـذا العـام وهـو يحمـل بيديـه ديوانـه الآخـر .. بـ عنوان " طفـولة نهـد " وحيـن عرضهـا عـلى رئيـس تحريـر مجلّة " الرسـالة " ابـدى انتقـاداً حاداً عـلى عنـوان هـذا الديوان , وخصـوصاً إن تلـك المجلـة كـانت من المجـلات المحافظـة جداً .. فـ تـم تغييـر عنـوان الديوان إلـى " طفولـة نهـر " .. حتـى يوافـق رئيـس التحرير عـلى طباعتـه ! , وعلـّق نـزار قبـانـي عـلى هـذا التغييـر قائلاً :

 

" وأرضى قراء الرسالة المحافظين, الذين تخيفهم كلمة النهد وتزلزل وقارهم, ولكنه ذبح اسم كتابي الجميل من الوريد الى الوريد "

 

وقـد عمـل سفيـراً فـي عدّة مـدن مثـل " بيـروت " و " مـدريد " و " لنـدن " وعمـل فـي سفارة سوريـا فـي الصين في العـام 1959

 

وانتقـل نقـلة نوعيـة فـي اتجـاه كتابتـه بعـد نكسـة عـام 1967 وقـد قـام بكتابـة قصائد سياسيـة قمـّة فـي القوة , كـ قصيدهـ " هوامـش عـلى دفتر النكسـة " .. التـي بسببهـا شنـّت حملـة إعلامـية رهيـبة على نزار , لدرجـه أنـهم منعـوا بـث جميـع اعمالـه فـي مصـر حتـّى منـع اسمـه تماماً وصـدر فـي الكتـمان أمـر " عـدم دخولـه لـ مصـر نهائيـاً " . .

 

لكـن نـزار أرسـل رسـالة فـي 30 اكتـوبر فـي نفـس العـام إلـى الرئيـس " جمـال عبدالنـاصر " قائلاً فيهـا :

 

" سيادة الرئيس, في هذه الأيام التي أصبحت أعصابنا فيها رمادا وطوقتنا الأحزان من كل مكان, يكتب اليك شاعر عربي, يتعرض اليوم من قبل السلطات الرسمية في الجمهورية العربية المتحدة لنوع من الظلم لا مثيل له في تاريخ الظلم. وتفاصيل القصة انني نشرت في أعقاب النكسة قصيدة عنوانها "هوامش على دفتر النكسة", أودعتها خلاصة ألمي وتمزقي, وكشف فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية, لاقتناعي بأن ما انتهينا اليه لا يعالج بالتواري والهروب, وانما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا. واذا كانت صرختي حادة وجارحة, وأنا أعترف سلفا بأنها كذلك, فلأن الصرخة تكون في حجم الطعنة, ولأن النزيف بمساحة الجرح. ومن منا ياسيادة الرئيس لم يصرخ بعد 5 حزيران؟ من منا لم يخدش السماء بأظافره؟من منا لم يكره نفسه وثيابه وظله على الأرض؟ ان قصيدتي كانت محاولة لتقييم أنفسنا كما نحن.. "

 

وختم رسالته بقوله: "ياسيادة الرئيس, لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه, والمجروح على جراحه ويسمح باضطهاد شاعر عربي يريد أن يكون شريفا وشجاعا, في ظل مواجهة نفسه وأمته, فدفع ثمن صدقه وشجاعته ياسادة الرئيس, لا أصدق أن يحدث هذا في عصرك "

 

وفعـلاً , بعـد تلك الرسالـة عادت الإمـور إلى مجراهـا الطبيعي , وعـادت القنوات لـ بـث اعمالـة كاملـه

 

واستمر بـعمـله فـي السلـك الدبلوماسـي حتـى العـام 1966 .. حيـن استقـال وقـرر فتـح دار نشـر لأعمالـه .. تحـت إسـم " منشـورات نزار قبانــي "

زواج , وطلاق . . !

 

تـزوج نـزار اثنـاء عملـه في السلـك الدبلوماسي مـن إبنة عمـه " زهـراء " التـي عاشـت في بيئـة محافظة طوال حياتهـا , و كـانت سيدّة شديده الغيـره عـلى نـزار لدرجـة إنها كـانت تقطـّع الرسائل التـي تصله من المعجبـات , ولـم تستطـع انت تصـبر على المكالمـات الي تنهـال على نـزار مـن جميـع المعجبـات في انحاء الوطـن العربـي , لذلـك لم يكـن بـ يديهـم إلا الطـلاق بالحسنـى ,

 

وقـد ارتبـط الشاعـر نـزار فـي علاقة غراميـة بحفيدة رئيـس الوزراء السـوري الأسـبق " فـارس الخـوري " , " كوليـت خوري " , لكنهـا كانت علاقـه عابره , فعندمـا تـزوجت " كوليـت " بـ شاب اسبانـي وانجـبت منه طفلـة قـامت بنشـر رواية بعنـوان " أيـام معـه " لتنشـر فيـها حقـائق علاقتـها بـ نزار

 

وقـد اثمـر عن زواجـه بـ ابنـة عمـه " هـدباء " و " توفيـق " .. وقـد توفـي " توفيـق " عندمـا كـان فـي شبابـه بـسبب مرض فـي القـلب وقـد اوصـى نـزار قبـّـاني أن يدفــن إلـى جوارهـ .. ! و رثاهـ شاعرنـا بـ قصيدة عنوانهــا :

 

" إلى الأمـير الدمشقـي توفيـق قبانـي " يقـول فـي مقدمتـها :

 

.. مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات
ومقصوصة ، كجناح أبيك، هي المفردات
فكيف يغني المغني؟
.. وقد ملأ الدمع كل الدواه
وماذا سأكتب يا بني؟
.. وموتك ألغى جميع اللغات

 

لأي سماء نمد يدينا؟
.. ولا أحدا في شوارع لندن يبكي علينا
.. يهاجمنا الموت من كل صوب
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني ، الحسين

 

أشيلك، يا ولدي ، فوق ظهري
.. كمئذنة كسرت قطعتين
.. وشعرك حقل من القمح تحت المطر
ورأسك في راحتي وردة دمشقية .. وبقايا قمر
.. أواجه موتك وحدي
وأجمع كل ثيابك وحدي
.. وألثم قمصانك العاطرات
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان؟
.. وسيفي انكسر

 

عـلى عـرش .. بلقيـس .. !

 

التقـى بهـا صدفـة فـي احـد احتفـالات السفـارات العربية فـي بيـروت , وكـان خارجاً لـ توه مـن حـزن وفاة إبنـه " توفيـق " , فقـد اسرتـه تمامـاً .. فـقد قـال عنهـا أنه هيفـاء فرعـاء يكـاد شعرهـا يلامـس الارض في استرسـال لم تـر عينـه مثله قـط , لدرجـة إنهـا اعادتـه لـ كتـابة الشعـر بعـد انقطـاع دام لـ 3 سنـوات , وقـال معلقـاً :

 

" لكنها بلقيس, أعادت الحبر للأقلام مثلما أعادت الدماء للعروق "

 

تقـدم لـ خطبتهـا لـ اول مره في العـام 1962 لكـن اهلـها قابلوا طلبـه بالرفـض وتحججوا بـ خوفهـم أنـه مشهور بإنـه " شاعـر نسـاء " , لكـن نـزار قبانـي استـمر في المحاولة لخطبتهـا لـ مدة 7 سنـوات , حتـى صـدرت موافقـة اهلها بسـبب اصـرار " بلقيـس " لإنهـا كانت تبـادل نـزار قبانـي المشاعـر , رغـم الاخـتلاف الكبـير فـي السـن فـقد كـان في الاربعينات وهـي لم تتجاوز الثـالثة والعشريـن

 

وقـد أثمـر عـن هـذا الزواج عـن ابنيـه " عمـر " و " زينـب " .. !
وفـي انفجار فـي " السـفارة العراقيـة " , في العـام 1982 رحلـت تلـك الملكـة , تاركـة نـزار وحيـداً يعانـي في ذلك العـرش الخاوي , وقـد قرر نـزار بعدهـا عدم الزواج من أي إمرأة كانت وهـو يتهـم الوطن العربي اتهـاماً شديداً بـ موتها وبأنهـم هـم السبب , ورثـاها فـي مرثية تحمـل اسمهـا " بلقيـس "يقـول في بعـض اجزاءهـا .. :

 

شُكْرَاً لَكُمْ
شُكْرَاً لَكُمْ
فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَبوسْعِكُم
أن تشربوا كأساً على قبرِالشهيدة
وقصيدتي اغتيلت ..
وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ ..
- إلاَّ نحنُ - تغتالُالقصيدة ؟

 

بلقيسُ ...
كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ فيتاريخ بابِِلْ
بلقيسُ..
كانت أطولَ النَخْلاتِ فيأرض العراقْ
كانتْ إذا تمشي ..
ترافقُها طواويسٌ ..
وتتبعُها أيائِلْ ..
بلقيسُ .. يا وَجَعِي ..
ويا وَجَعَ القصيدةِ حينتلمَسُهَا الأناملْ
هل يا تُرى ..
من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُالسنابلْ ؟
يا نَيْنَوَى الخضراء ..
يا غجريَّتي الشقراء ..
يا أمواجَ دجلةَ . .
تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا
أحلى الخلاخِلْ ..
قتلوكِ يا بلقيسُ ..
أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ ..
تلكَ التي
تغتالُ أصواتَ البلابِلْ؟
أين السَّمَوْأَلُ؟
والمُهَلْهَلُ؟
والغطاريفُ الأوائِلْ؟
فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ ..
وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ ..
وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ ..
قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِإليهما ..
تأوي ملايينُ الكواكبْ ..
سأقُولُ ، يا قَمَرِي ، عنالعَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌعربيةٌ ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟.



 

بعدهـا اصبـح يتنقـل شاعرنـا .. بيـن باريـس وجنيـف ولنـدن , حتـى استقـّـر بـه المقـام فـي لنـدن , حيـث امضـى بهـا آخـر خمسـة عشـرة عـامـاً فـي حياتـه منعزلاً عـن النـاس , يكتـب بـ هـدوء