.

.



من حكايا الملوك..
سر الملك صاحب التاج المدودل مع حلاقه حفيس

الفصل الأول: في مجلس طويل العمر

بصوت رفيع يشبه أصوات الشريطية في معارض الشفا صاح رئيس الديوان الملكي مخاطباً جموع رجال الدولة المهمين:
[لينهض الجميع إجلالاً لملك النهرين و حاكم البرحتين و صاحب النفرتين.. صاحب العظمة ذو التاج المدودل ]
ففي هذا اليوم البهيج يكون الاجتماع الدوري بين الملك و رجال دولته من مستشارين و وزراء و كبار شخصيات << يوزرات الإقلاع! ...
في الدول الأخرى لا تنتشر الإشاعات إلا للفضائح بين رجال الدولة، بينما الدولة هذه يسيطر عليها فكرة واحدة: ما هو لغز التاج الكبير الذي يرتديه الملك؟ .. فالتيجان التي تحترم نفسها تكون فقط فوق الرؤوس على حدود الأذن.. لكن تاج ملكنا هذا له زوائد ذهبية مصفحة ومصمتة على جانبيه تصل لحد كتفيه... ولهذا السبب أشيع أسم "التاج المدودل" كناية عن الشكل الغريب لهذا التاج...

جلس الملك وأشار بيده للجميع أن يجلسوا... وبدأت القهوة والشاي والحبق على طوفريات القهوجية تأخذ مسارها نحو هذه الأفواه المفجوعة الجائعة دائماً...قال وزير شؤون البعارين والنقل البري مسولفاً بشكل هامس مع من حوله: [ماش هالتاج مقلقني دايمن أفكر فيه.. من شدة ما هو مشغلني أني ماتفرغت أفكر في مشروع إدخال الحمير في مشاريع النقل الحكومي .. مرة كنت بـ...] قاطعه وزير الصحة وقد أزاح المسماع عن أذنيه: [هاه وشو وش كنت تقول؟ تراي ما سمعتك كنت ناسي السماعة على آذاني ياخي صرت مسطول من سالفة هالتاج أهوجس فيه.. مرة كنت في جولة تفقدية بزعمي وزير همام و فاهم.. ومريت مستشفى الشكمان وأنتم عارفين مستشفى الشكمان هذا الي كانوا يقترحون يفتحون فيه قبو تحت و يصير مقبرة.. مالكم في الطويلة... كنت أمر على أسرة المرضى وأقول وين الغذايات وراكم شايلينها عنهم؟ قالوا: هذي الثلاجة وهذولا ميتين طال عمرك ما تشوفهم مغمضين ولونهم قالب... بس عشان تدرون أن بالي مشغول في الي أنتم خابرين]... أردف وزير الكتاتيب والشخاميط بامتعاض لا مبرر له على الإطلاق : [مشكلة تعليمية تربوية بحتة لازم ناخذ من تجارب بلاد الواق واق.. سمعت أنه يسوي تمارين كمال رقبة على وزن كمال أجسام ويشيل حديد برقبته عشان يتحمل وزن هالتاج!! شوفوه لامنه ألتفت تطلع العضلات في رقبته والي يشوفه يحسب غاص بخمس بيضات واقفة في حلقه !! ..
انتهت الأمسية بالدخول على العشا وأكلوا أكل المحرومين.. ففي حضور اللحم (بكافة أنواعه ) يغيب العقل وينسى الناس فيما يفكرون أو فيما يهوجسون ...




الفصل الثاني: الملك يحدد دقنه وينعم

دخل الملك محل الحلاقة الملحق بديوانه حيث يعمل الحلاق "حفيس" فهو يحمل دبلوم تنعيم وبكالوريوس صلعة... جلس الملك على الكرسي وقبل أن ينزع التاج التفت على حفيس وقال بنظرة يتطاير منها الشرر ولو كان بجانبه جركل بنزين لقبع و شب: [ شف يا حفيس يا لشين ياللقيط أنت عارف أنه محد يعرف سر هالتاج المدودل إلا أنت لأنك الوحيد الي يشوف الي تحته.. قسماً بالله لو همست بس مجرد همس لأحد أو حتى لنفسك إني لآخذك وأفرمك في فرامة كبيرة وأسوي من لحمك كباب وأوكلك كلاب الحارة].. ابتلع حفيس هذا التهديد الصريح الذي لا يختلف عن أي تهديد يسمعه كلما أراد حلاقة رأس الملك؛ فهو اعتاد هذا منذ أن عرف سر التاج المدودل وما يختبئ تحته ..

نزع حفيس التاج بيد رشيقة وبخفة متناهية ليتضح
السر الرهيب الكامن تحتها... أكمل عمله حفيس بأن لف الآذان المتدلية والواصلة حتى الأكتاف وجعلها على شكل سويس رول مطوية وغرس فيها دبوس حتى يثبتها بينما يكمل عمله.. نعم نعم أيها السادة فهذا هو السر الرهيب للملك بأن آذانه مدودلة و تصل لحد أكتافه وهي بشعة المنظر ومخيفة... لقد ولد بها الملك هكذا وأصبحت عيارته "الحمار" لأن آذانه بلغت هذا الشأن من الطول كآذان الحمار... يقال بأن أمه كانت تكثر من أكل المضادات الكيماوية ولذا ولد بهذا الشكل المأساوي... لقد كانوا يتتريقون عليه وهو طفل؛ حتى قال له أحد الأطفال الصايعين الحونشية ممن خطت شنباتهم وهو مازال في خامس ابتدائي: [بالله ودي أفهم وش الفرق بين آذانك وجدايل أختك ؟.. يعني أنت فيك جينات فيل يومها تصير كبار كذا؟.. ياخي ناقص يصير لونك رمادي وتصير حمار.. ياخي أنت توحفه المفروض تحط مخباتين في صدرك وتخليها نازلة و داخلة فيها... أنتبه وأنت تركض لا تتعكرف فيها... أول مرة أشوف واحد آذانه أطول من لحيته... أشوى أن ما فيها شعر ولا كان صارت كنها ليفة طويلة توهم مفركين بها شعر عبدة... ياخي استح على وجهك الي يشوفك من بعيد وأنت جالس على الطاولة يحسبك واحد رافع يديه ومتكي عليها بخدوده بزعمه رومانسي..
ويستحسن لو تشوف لك مهندس كذا فاهم يركب لها هيدروليك ويرش عليها نشأ عشان تشقص شوي ثم يحط ماطور وتصير زي أجنحة الهاليكوبتر وتصير تطير
هههههههههههههههههه نياهاهاهاههههههااااااهههههههههاااا
وانفجر الطالب الشرير في ضحكة شريرة وقعت في قلب الملك الطفل كأنها سهم اخترق قلبه الطري البريء ؛ فما كان منه إلا أن نادى البودي قارد حقه وجعله يلجن الطالب لجناً مبرحاً حتى احتار أعظم الجراحين أين يبتدأ وجهه وأين ينتهي... وصارت القصة عبرة لمن يريد المهايط واستخفاف الدم مع عيال الشيوخ..
تفاقمت المشكلة واضطر والداه أن يرسلاه لبلاد باردة يضطر معها أن يلبس صوفية تغطي رأسه كله بالإضافة للشال... حتى جاء اليوم الذي نفق فيه أبوه وصار هو الملك وعاد قبل إكمال دراسته في "الخصائص البيئية لنوعية الوجبات المفضلة لدودة السرو"...

كل هذه الأحداث العظام منذ الطفولة وحتى اعتلاء العرش كانت تعترك في قلب وصدر الملك ولم يستطع أن يكتمها أكثر من ذلك؛ فقد بلغت به الشدة مبلغها؛ ولطالما قام في نصف نومه غرقاناً في عرقه الملكي.. ولهذا اضطر أن يثق في حلاقه الشهم "حفيس" وبدأ يحكي له مغامراته المريرة ومعاناته الشديدة وعقده الدفينة التي تسببت بها آذانه البشعة... ولعل الحكاية الي يحلو له ترديدها دائماً وهو على كرسي حفيس والبكاء على دراميتها هي حكاية حبه وعشقه مع "كاترينا" تلك الزهرة الغناء
التي عرفها في المهجر وكانت علاقتهم علاقة تعمقت و بلغت درجة الاضطرار لنزع الشال والصوفية (يقول الجو حر) فما كان منها إلا أن صرخت بدلال وعذوبة صرخة رعب و ذعر مزعت نياط قلبه وهو يصارخ: [فديتس خليني اشرح لتس والله أني طبيعي ]... لكنها هربت من غرفة السكن وفقد بذلك رائحة الريحان التي كانت تفعم غرفته ردحاً من زمان الغربة
...[تراني أثق فيك يا حفيس وهالسر حق آذاني لا يطلع لأحدن أبد...]
وعلى هذا الأساس بنى الحلاق علاقته مع الملك، وإن كان أقسم الأيمان تلو الأيمان أن لا يفصح للسر لأي بشري ...



الفصل الثالث: صعوبات نفسية وضغوط وقلق وكلشي

سرت الأيام و ذهبت وتساقطت أوراق الرزنامة بكثرة تحتها على الأرض مما يدل على إهمال عمال النظافة الذين يجعلونها تتجمع مكونة جبلاً من الأيام والشهور << تسمع بالبلاغة!... ولكن الحقيقة المريعة أيها السادة أن الواحد يالله يبتزا سره شلون وهو في صدره سر ن ثاني؟.. بالعربي الواحد يا كود يحافظ على أسراره
شلون بأسرار عيال الناس؟...
لقد عانى حفيس بشدة من هذا السر الرهيب الذي لا يعرفه في أرجاء الدولة إلا هو وأنا راوي الحكاية... لقد ضاقت أخلاقه وأصبحت زفتاً... وأصبح كثير الهواش؛ قصير الفتيل؛ حار الدماء لدرجة أنه أرعف خشمه ذات مرة فظهرت غيمة من الدخان الحار بسبب الدم الساخن غطت على وجهه واستغل هذه الفرصة وقام بصنفرة وجهه على عجالة مستغلاً فهمه لهذه الأمور كحلاق بارع...

سارت الأيام وأوراق الرزنامة يزداد عددها تجمعاً... وحلاقنا يكتم السر في قلبه ويريد لو استطاع أن يقول كلمة واحدة فقط كلمة واحدة أو أن يشاركه هذا السر أي شخص غيره... لكنه كان يخاف من غضبة الملك الذي حتماً سيأمر به للنطع حتى يدق عنقه أو يجلسه على المقصلة ويطير رأسه
...
جلس مرة مع أحد الأعيان وقال بدلاخة متناهية: [تدري أن الملك آذانه كـ...] وسكت!... فسأله هذا الأعين (مشتقة من أعيان << لا تسمعك لون الورد) :[وشو الملك وشفيه؟]... سكت حفيس ولم يحر جواباً وتجمعت حبيبات العرق في جبينه وأردف: [كـ... كــويسة.. يعني لو تسولف في آخر المجلس يسمعك]...

كانت إشارة خطيرة أن لسانه بدأ ينزلق وقد يبيح بالسر دون أن يشعر... حتى زوجته التي تنام معه في الفراش ما الذي يضمن أن لا يتكلم وهو نائم وتسمعه؟.. وهو الذي يعلم بأن العقل الباطن يتحدث بلغة أجسادنا وقت النوم... لقد قرر أن يخربها ويطلق زوجته :[أنتي طالق].. هكذا صكها في وجهها... ولم تفهم الزوجة المكلومة التي ظنت أنها حظية بحكم علاقاتها مع صبابات وعبدات القصر!!..

لكنها أرجعت الأمر لخيانة يمارسها هذا الزوج الدنيء مستغلاً نفوذ مقصه ومشطه في البلاط... وما علمت التافهة بأن زوجها يعاني الأمرين وهي لا تكترث له أبداً ولم تكلف نفسها عناء سؤاله عن حرف الكاف الذي ينطقه ليلاً وهو نائم ولا يكف عن ترديده كأنه يريد قول كلمة معينة تبدأ بحرف الكاف!!...





الفصل الرابع: ليتهم رقدوا

تفتق ذهن حفيس عن حيلة ذكية جداً ستزيل عنه هذا الكابوس المستطير... فهو وعد الملك بأن لا يقول هذا السر أبداً لأي بشري.. فما الضير لو قاله لغير بشري؟... نعم نعم أيها السادة إنكم متعاطفون مع حفيس والوضع النفسي المزري الذي وصل إليه لكن وش نسوي...
خرج من بيته ليلاً والناس نيام وبيده رفش و معول كالتي يحملها قتلة أجاثا كريستي حين يذهبون للصحراء دون أن تتكرم هذه الشمطاء بشرح ما هو الرفش ولأي غرض يستخدم.. ما علينا... وبدأ حفيس بنشاط محموم يحفر حفرة عميقة لا تتسع إلا لدخول وجهه لكنه جعل قاعها بعيداً كقلب ملكته يوماً وفرطت في حبه حتى ابتعد وتركك لوحدك مذموماً مدحوراً مقهوراً ..

بعد أن اطمئن لخلو البر من هواة المكشات أو الخواجات الدشير الذين يكشتون بنساءهم وخمورهم... أدخل وجهه الفاغر في الحفرة وبدأ يصرخ بأعلى ما يمكنه، أخذ يصرخ ويخرج ما كتمه سنيناً عديدة، أخذ يزيح هم النهار و أرق الليل :[ آذان الملك كبيييييييييييرة آذان الملك كبيييييييييييرة آذان الملك كبيييييييييييرة الخ]
استمر على هذه الحال وخرج من الحفرة بعد أن طاح الذي في رأسه... أخذ يتنهنه من فرط الجهد والفرح أن أزاح هذا العبأ الشديد الجاثم فوقه... و أول ما تبادر إلى ذهنه إرجاع زوجته مادامت في العدة قبل أن تنقضي العدة... (وتقولون عنا قليلين خاتمة )..

ضبط حفيس أغراضه وخصوصاً الرفش والمعول وأهال التراب على الحفرة يدفن سراً خطيراً بالمعنى الحرفي للكلمة... ولكنه ما إن استدار عائداً حتى سمع أصواتاً خلفه والتفت تجاهها ليجد شجرة قبيحة وبشعة بدأت تنمو بتلك الطريقة السريعة التي نراها في أفلام الوثائق العلمية التي تصور نمو النباتات ... خرجت الشجرة هائلة؛ كبيرة؛ طويلة؛ ولها أغصان و أوراق كثيرة .. هرع حفيس عائداً للمدينة مرعوباً لا يلوي على شي وقد أرجع الأمر أنه هلوسة يسببها الحشيش الذي يتعاطاه وقدر أن الكمية الأخيرة التي اشتراها مضروبة... وما إن دخل المدينة حتى استوت الشجرة في طولها ونموها و بدأت كل ورقة وكل غصن يصرخ بصوت هز أركان المدينة قاطبة :[ آذان الملك كبيييييييييييرة آذان الملك كبيييييييييييرة آذان الملك كبيييييييييييرة الخ]

فزع الملك من هذا الصوت المنكر الذي أيقظه من نومه وهو الذي عنده قومه بكره الصبح.. ثم فطن أن الصوت يحكي سره الخطير!! ... أمر بإحضار حفيس والقبض عليه... أحضروا الحلاق وأجلسوه في حضرة الملك الذي قال له :[ما كان لك أن تتكلم قط بسرٍ لا يخصك] وأمر طبعاً بقتله شر قتله والتمثيل بجثته... وكتب على جسده العبارة التالية حتى يقرأها أهل الدولة ومن يغشاها من المسافرين والتجار والسياح:
كتمان السر مرهق لأقصى حد.. ولكن البوح به كارثة *

* عبارة مقتبسة