
( وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ
يأتين من كلِّ فجٍّ عميق) "صدق
الله العظيم"
ينتظر العالم الإسلامي ، مؤتمره الأكبر والذي يشهده
كل عام في بـ قاع مكة المكرمة ، وبـ كل الشوق والحنين
تتطلع عيون أكثر من مليار مسلم إلى تلك البقعة المباركة ،،ترجو
في توددٍ وسكينة رحمة الله ومرضاته
..
اللهم تقبّل منهم واعف عنّا وعنهم ، انك ارحم
الراحمين
صفه حجه النبي صلى الله عليه وسلم
*
على صعيد عرفات ،،
أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم الجمعة يوم
عرفة، وسار الركاب الشريف من منى إلى
عرفات ، وجموع الحجيج تسير معه،
سار -- صلى الله عليه وسلم
-- ولا يظن قومه إلا أنه سيقف معهم في
مزدلفة كما كان شأنهم في الجاهلية،
حيث جعلوا لأنفسهم موقفاً خاصاً يقفون فيه،
ولا يقفون مع الناس في عرفة ،
إذ يرون لأنفسهم مكانة وتميزاً لجوارهم بيت الله،
وأنهم بذلك لا يشاركون الناس في الوقوف في عرفات،
ولكن رسول الله-- صلى الله عليه وسلم--
الذي جاء بدينه للعالمين، لم يجئ به لفئة من
الناس يميزهم، ولو كانوا قومه وعشيرته،
تجاوزهم وسار ليقف مع الناس عملاً بقول ربه:
"ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس".
سار-- صلى الله عليه وسلم--
بالناس ومع الناس قريباً منهم، يدنو منه من
شاء، ويكلمه من شاء، فهذا أعرابي يعرض له بين عرفات
ومزدلفة يمسك بخطام ناقته وهي سائرة، ويوقفه والناس
حوله يتساءلون: ماله؟
ماله؟ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقطع عليهم
تساؤلهم قائلاً: أرب ماله- ،
أي له شأن وله حاجة - وسأل الأعرابي:
(يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة،
فقال صلى الله عليه وسلم: تعبد الله ولا تشرك
به شيئاً، وتقيم الصلاة،
وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم،
دع الناقة). ويسير – صلى الله عليه وسلم- على
حاله هذه "رخاء حيث أصاب"
حتى وصل إلى نمرة فإذا قبة قد ضربت له هناك، فجلس
فيها حتى زالت الشمس فركب راحلته القصواء، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة -وهو
أرض دمثة فسيحة يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها- فاجتمع الناس حوله في بطن
الوادي، ورسول الله --
صلى الله عليه وسلم-- على راحلته مشرف عليهم،
أطاف به الناس فعرفته العيون، وأصاخت له
المسامع، واشْرَأبَّت له الأعناق،
وخفقت بحبه القلوب، تتعلق بمحياه،
وتتلقف قوله، فتطاول - صلى الله عليه وسلم
- للناس قد أمكن قدميه في الغرز،
واعتمد على مقدم الرحل، وأشرف للناس ليخطبهم
خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعصم الملة، وتعظيم الحرمات، فدوى صوته بين أهل
الموقف، حامداً الله مثنياً عليه،
ثم قال: أيها الناس إن
دماءكم وأموالكم حرام عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا،
ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع،
ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم
ابن ربيعة ابن الحارث ابن عبد المطلب، وربا الجاهلية
موضوع، وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب،
فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم
أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،
ولكم عليهن ألا يواطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن
فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف،
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به،
كتاب الله". ثم أقبل - صلى الله
عليه وسلم - على هذه الجموع يستشهدهم شهادة عظيمة،
شهادة البلاغ والأداء ويقررهم بجواب السؤال إذا سئلوا يوم القيامة
"فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين":
أيها الناس، إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟
![]()
ألا ما أعظم السؤال! وما أعظم المقام!
ثلاث وعشرون سنة قضاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بلاغ ودعوة،
وصبر ومصابرة، وجهد وجهاد،
أُخْرِجَ - في سبيل بلاغ رسالات الله - من بلده وهي أحب البلاد إليه،
وقوتل في بدر، وأصيب في أحد، وحوصر في الخندق،
وشد على بطنه حجرين من الجوع وصُدَّ عن البيت،
وقُتِل أقاربه وأقرب الناس إليه بين يديه، كل ذلك بلاغاً للدين وأداءً للرسالة، ومع
ذلك يسأل ويستشهد على بلاغه أمته، فأجابته هذه الجموع
كلها بالجواب الذي لا يمكن أن تجيب بغيره، وشهدت بالشهادة التي لا يحق لها أن تشهد
بسواها، نطقت هذه الجموع بفم واحد: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وأديت الذي عليك،
ورفع – صلى الله عليه وسلم- إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى
الناس وهو يقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد"..
ونحن اليوم بعد ألف وأربع مئة سنة نشهد لـ الرسول –
صلى الله عليه وسلم- بما شهد له به أصحابه، أنه قد
بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة،
وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك،
فصلى الله وسلم وبارك عليه..
فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خطبته، فأذن بلال وأقيمت الصلاة،
فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر قصراً وجمعاً،
ثم ركب راحلته ودفع إلى عمق عرفة ليقف عند ذيل الجبل عند الصخرات مستقبلاً
القبلة رافعاً يديه داعياً وملبياً، وكان -صلى الله
عليه وسلم- مع وقوفه في مقامه ذلك قائماً بأمر الناس تعليماً ورعاية وتوجيهاً
ودلالة، يأتيه ناس من أهل نجد يسألونه عن الحج، فيقول
لهم: الحج عرفة،
ويخاطب الناس قائلاً: (وقفت
هاهنا وعرفة كلها موقف)، وأرسل للناس وهم في فجاج عرفة صارخاً يصرخ بهم،
أن كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث
أبيكم إبراهيم، ويسقط رجل من أهل الموقف عن راحلته
فتنفصم عنقه ويموت، رجلٌ من غمار الناس،
لا نعرف اسمه ولا قبيلته ولا بلده، ولكن ربه
الذي خلقه يعلم حاله وإليه مآله، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -
"اغسلوه بماء وسدر،
وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه
فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موقفه ذلك بارزاً
للناس، مشرفاً عليهم،
يجيئه أعرابي من قيس يقال له: ابن المنتفق وصِف له
رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فتطلبه حتى لقيه بـ عرفات
قال: فزاحمت عليه، فقيل لي:
إليك عنه، فـ قال: دعوا
الرجل، أرب ماله، قال:
فزاحمت حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته فما غير علي،
قال: شيئين أسألك عنهما،
ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟؟قال:
فـ نظر إلى السماء ثم أقبل إلي بوجهه الكريم فقال :
لأن كنت أوجزت المسألة لقد أعظمت وطولت فاعقل علي:
اعبد الله لا تشرك به شيئاً، وأقم الصلاة المكتوبة،
وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان،
وجاء الأعراب الذين وافوا الموقف يطيفون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ويدنون إليه ليروا محياه، فإذا استنار لهم وجهه قالوا،
هذا الوجه المبارك، وينزل الروح الأمين على
قلب محمد - صلى الله عليه وسلم- بالوحي من ربه في هذا الموقف العظيم بـ هذه الآية
العظيمة الشاذة الفاذة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"، فسري عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم- فـ قرأها على الناس معلناً كمال الدين وتمام النعمة،
وعبودية البشر بالإسلام الذي رضيه لهم ربهم ولم يرض لهم سواه،
فلما سمعها عمر -رضي الله عنه- فقهها واستشعر من معناها أن مهمة رسول الله –
صلى الله عليه وسلم- قد انتهت بكمال الدين، وأنه يوشك
أن يلحق بربه الذي أرسله، فاستعبر باكياً وهو يقول:
ليس بعد الكمال إلا النقصان...
أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فـ قد قضى عشية يومه تلك في حال من التضرع
واللهج بالدعاء حتى ظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك لما رأوا من انقطاعه لـ العبادة
والدعاء فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فـ شرب منه والناس
ينظرون إليه، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره،
كـ استطعام المسكين منكسراً لربهذ- عز وجل- حتى إنه عندما اضطربت به راحلته
فسقط خطامها تناوله بيد، وأبقى يده الأخرى مبسوطة
يدعو بها..
وكان - صلى الله عليه وسلم- لهجاً بالثناء على الله تهليلاً وتحميداً وتلبية
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير،
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك،
إن الحمد لك والنعمة، لك والملك لا شريك لك
لبيك إله الحق) وكـ أنما جاشت أشواق الرسول - صلى
الله عليه وسلم- واستشرف قرب الأجل فـ سمع عشية ذلك اليوم وهو يزيد في تلبيته (لبيك
إن العيش عيش الآخرة)، وتقضَّت ساعات النهار
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- علىحاله تلك، خشوع وخضوع ولهج بالدعاء والذكر،
حتى إذا تناهىالنهار دعا بأسامة بن زيد، ليكون
ردفه، فتنادى الناس يدعون أسامة واشرَأبَّت أعناق
الأعراب ينتظرون هذا الذي حظي بشرف ردف النبي - صلى الله عليه وسلم-،
وظنوه رجلاً من كبار أصحاب النبي فلما جائهم إلا وشاب أسود أفطس أجعد يتوثب
ناقة النبي ثم يلتزمه من خلفه ليكون له شرف الارتداف مع النبي – صلى الله عليه وسلم-
فقال حدثاء العهد بالإسلام متعجبين: أهذا الذي حبسنا
ابتغاؤه! وكأنما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم-
بهذا الانتخاب والاختيار يعلن تحطيم الفوارق بين البشر،
ويدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية،
والفوارق الطبقية، والنزعات العنصرية،
لـ يعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا أبيض على أسود إلا
بالتقوى ..
فـ لما آذنت الشمس بالغروب أقبل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- على بلال فقال: يا
بلال استنصِت الناس، فأنصت الناس لرسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ليفيض على قلوبهم البشرى بالفيض الغامر من رحمة الله وعفوه،
قائلاً: أيها الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني
السلام من ربي، وقال: بشِّر أهل الموقف والمشعر أن
الله قد غفر لهم وتحمل عنهم التبعات، فقال عمر: يا
رسول الله، هذه لنا خاصة؟فقال
-صلى الله عليه وسلم-: بل لكم ولمن بعدكم إلى يوم
القيامة، فقال عمر، كثر
خير الله وطاب .
فلما وجبت الشمس وغاب قرصها، أشار -صلى الله عليه وسلم- للناس قائلاً:" ادفعوا على
اسم الله".
فدفع الناس معه، وهو -صلى الله عليه وسلم- في حطمة الناس وغمارهم، ليس له طريق خاص،
وإنما هو -صلى الله عليه وسلم- مع الناس وهو إمام الناس، لا يدفع أحد أمامه، ولا
يصد أحد من ورائه، وقد رفع يمينه المباركة يشير إليهم بسوطه قائلاً:
(رويداً أيها الناس، السكينة السكينة، إن البر ليس
بإيجاف الركاب)، وإذا
سمع حطمة الناس خلفه وتدافعهم تطاول وأشار إليهم، "السكينة
السكينة"، يقول ذلك وهو أول من فعله، فقد شنق
راحلته وكبح زمامها، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله من
شدة كبحه لزمامها، وظل -صلى الله عليه وسلم- في مسيره ذلك عليه السكينة والجلال
والوقار حتى وافى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير ثم هجع –صلى الله عليه وسلم-
ليلته تلك إلى السحر، بعد يوم طويل حفيل بحلائل
الأعمال، ونهار عامر بالعبادة والدعاء والذكر
والتعليم والإرشاد والدلالة على الخير..تنفس
الصبح وأضاءت خيوط الفجر الأولى، وقام – صلى الله عليه وسلم- مسارعاً إلى صلاة
الفجر، فصلاها في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجه إلى (المشعر
الحرام) فاستقبل القبلة ورفع يديه، يدعو ويلبي،
ويكبر ويهلل على حال من الضراعة والخضوع، وهو -مع ذلك- يعلم الناس ويبين لهم،
فقد جاءه عروة بن مضرس، فقال:يا رسول الله، جئتك من حبلي طي، أتعبت نفسي
وأنصبت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟
قال صلى الله عليه وسلم،
(من شهد معنا هذه الصلاة ،
يعني صلاة الفجر بجمعٍ، ووقف معنا حتى نفيض
منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)،
![]()
وبقي - صلى الله عليه وسلم - في المشعر الحرام حتى أسفر جداً،
وقاربت الشمس أن تطلع، فدفع ركابه الميمون من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفاً
هدي المشركين، فإنهم كانوا لا يدفعون من مزدلفة إلا
عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال،
دفع صلى الله عليه وسلم وهو على حال من السكينة، ونداؤه للناس حين دفعوا معه
، عليكم السكينة، وهو
كاف ناقته، كحاله في شأنه كله – صلى الله عليه وسلم-
رفيق يحب الرفق، حتى إذا وصل وادي محسر – بين مزدلفة
ومنى – أسرع قدر رمية بحجر، وأردف ابن عمه الفضل بن
العباس بن عبد المطلب، وأمره أن يلقط له حصى الجمار،
فالتقط له سبع حصيات صغار بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلاً،
فوضعهن في يده، ثم قال للناس: (بأمثال هؤلاء
بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو،
فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) ،
حتى إذا وصل النبي إلى جمرة العقبة استقبلها جاعلاً
منى عن يمينه، ومكة عن يساره،
ومعه بلال وأسامة، أحدهما ممسك بخطام ناقته، والآخر رافع ثوباً يظلله به،
وهو يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة،
وقطع التلبية التي كان قد لهج بها مع رميه وتكبيره عند جمرة العقبة،
وكان في شأنه كله متواضعاً لله معظماً لشعائره، قال قدامه بن عبد الله – رضي
الله عنه-:" رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي
يوم النحر على ناقةٍ صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك،
وازدحم الناس حوله فقال:(يا أيها الناس لا يقتل بعضكم
بعضا وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف، ولتأخذوا
مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)،
وكان الناس حولـه يصله من شاء منهم، الرجل
والمرأة، والكبير والصغير، لا يُدفع عنه أحد ولا يُبعد، فجاءت امرأة حسناء شابة
تسأله والفضل ردفه، -وكان شاباً وسيماً وضيئاً حسن
الشعر- فجعلت تنظر إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها،
فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم- فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ
بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها،
فنظر من الشق الآخر فصرف وجهه مرةً أخرى، حتى قال أبوه العباس،
يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، فقال - صلى
الله عليه وسلم- : (رأيت غلاماً حدثاً وجارية حدثةً
فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان) ، فقالت المرأة،
يا رسول الله.. إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً
كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟
قال: (نعم حجي عنه)،
ولا تدري ممَّ تعْجَب في هذا المشهد، هل من تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقربه من الناس ودنوه منهم، حتى تجترئ عليه فتاة في
هذا المشهد الحافل بهذا السؤال وهذه الحال، أم من تفهّم النبي – صلى الله عليه
وسلم- لنوازع الشباب، وما جبلت عليه النفوس الفتية؟!فيسارع
بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق والمودة، ولا
يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة، أم من جرأة
النبي على ابن عمه وقريبه دون المرأة، لأن الفضل
يحتمل من رسول الله ما لا تحتمله فتاة غريبة.ثم وقف رسول الله للناس على
ناقته العضباء بين الجمرات،
وأطاف به أصحابه كأن على رؤوسهم الطير، فخطبهم
خطبة عظيمة فتح الله لها أسماعهم حتى سمعوه في منازلهم، فقال:
"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة
متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة،
والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان
، ثم قال:"ألا أي يوم هذا؟
" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه،
قال:"أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى،
ثم قال:"أي شهر هذا؟" قلنا: الله ورسوله أعلم.
فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:"أليس ذا الحجة؟
" قلنا: بلى، ثم قال:"أي بلد هذا؟
" قلنا: الله ورسوله أعلم.. فسكت حتى ظننا أنه
سيسميه بغير اسمه. قال:"أليست البلدة؟ " قلنا: بلى.
قال:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام،
كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن
أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ظلال يضرب بعضكم رقاب
بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب،
فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه".
وجعل يتطاول للناس ويقول:"ألا تسمعون"، واستشعر الناس
أنها موعظة مودع، فقام رجل من طائفة الناس فقال، يا
رسول الله اعهد إلينا قال: صلُّوا خمسكم، وصوموا
شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم،
وثار الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسألونه وجاءت الأعراب من
هاهنا وهاهنا فسألوه فقالوا: يا رسول الله نتداوى؟ قال:"نعم، تداووا فإن الله لم
يضع داءً إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم"..
فسألوه عن أشياء هل علينا حرج في كذا وكذا؟ فـ قال:
"عباد الله وضع الله الحرج إلا امرأً اقترض مسلماً ظلماً فذلك حرج وهلك" قالوا:
ما خير ما أعطي الناس يا رسول الله؟ قال:"خلق
حسن".
ومنهم من قدم من أقاصي الجزيرة، يسألونه عن أحكام
المناسك، فمن قائل:
نسيت أن أرمي الجمار فقال: (ارم ولا حرج) ومن قائل:
حلقت قبل أن أذبح فقال: (اذبح ولا حرج)، وجاءه رجل
فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال،
(ارم ولا حرج) فما سئل عن شيء قدم ولا أخر،
إلا قال، (افعل ولا حرج)
وما سألوه عن شيء إلا قال، (
لا حرج، لا حرج)، ثم قال:
(قد أذهب الله الحرج،
إلا رجلا اقترض امرأً مسلماً، فذلك الذي حرج وهلك).
ثم نزل النبي منـزله بـ منى وأنزل المهاجرين بميمنه
والأنصار يسرته، والناس حولهم من بعدهم.
وسأله أصحابه أن يبنوا له بمنى بناءً يظله، فأبى
عليهم أن يكون له بناء يميزه في هذا المشعر عن سائر الناس، وقال،
(لا، منى مناخ
من سبق).
ثم انصرف إلى المنحر وقال،
(ادعوا لي أبا حسن)، فدعي له علي، فقال: (خذ
بأسفل الحربة)، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
بأعلاها، ثم قربت إليه البدن أرسالاً،
فإذا العجب كل العجب يقع من هذه الإبل العجماوات وهي تقرب إلى رسول الله
لينحرها قرباناً لربه -عز وجل-، لقد جعلت الإبل
يزدلفن لـ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً!
إنها الحيوانات التي يقال لها يوم القيامة،
كوني تراباً ، ومع هذا تزدلف إلى رسول الله – صلى
الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً لينحرها، فماذا
يقول المؤمن برسول الله المتبع لدينه، أما كانت
أعيننا عمياً وآذاننا صماً وقلوبنا غلقاً، حتى فتحها الله وأحياها بمحمد – صلى الله
عليه وسلم- فكيف ينبغي لحبها له أن يكون؟ .
أما والله لو ذابت القلوب في أحنائها، وتفتت الكبود
في أجوافها، حباً له وشوقاً إليه لما كانت –وربي-
ملومة، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه، نحر صلى
الله عليه وسلم هديه فنحر -بيده الشريفة - ثلاثاً وستين بدنة،
بعدد سني عمره المبارك، ثم أمر علياً بنحر ما بقي منها،
وقال للناس: (من شاء اقتطع)، وأمر علياً أن
يقوم عليها، وقال له: (اقسم لحومها وجلودها وجلالها
بين الناس، ولا تعطين الجزار منها شيئاً، نحن نعطيه
من عندنا، وخذ من كل بعير حذية من لحم، واجعلها في
قدر واحد، حتى نأكل من لحمها ونحسوا من مرقها) وقال،
(نحرت ها هنا ومنى كلها منحر)..
ثم دعا رسول الله بالحلاق ليحلق رأسه المقدس ، ودعا
رسول الله – صلى الله عليه وسلم- للمحلقين فقال،
(اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول
الله؟ قال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين
يا رسول الله؟ قال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا:
والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين
. . وبعد أن رمى صلى الله عليه وسلم يوم العيد ونحر
وحلق نزع إحرامه ولبس ثيابه ، وطيبته عائشة رضي الله
عنها بأطيب ما تجد من الطيب، وضمخت بيديها رأسه
الكريم مسكاً، ثم ركب صلى الله عليه وسلم إلى البيت مردفاً أسامة بن زيد،
فلما وصل الكعبة طاف راكباً يستلم الحجر بمحجن كان معه، فلما فرغ من طوافه
ذهب إلى سقاية عمه العباس، حيث كان يسقي الناس النبذ
فـ استسقى من أوعيتهم التي يجعلون فيها سقاية الناس، فقال عمه العباس،
(يا فضل اذهب إلى أمك) فأت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بـ شراب من
عندها فأبى - صلى الله عليه وسلم- ذلك، وقال: (لا
حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس) قال يا رسول الله:
إنهم يضعون أيديهم فيه، يشير إلى أن أيدي
الناس تقع في هذه الأوعية الكبيرة، وأراد أن يسقي رسول الله – صلى الله عليه وسلم-
بشراب يخصه به، ولكن النبي أبى أن يكون له تميز في
أمر السقاية، وأن يختص نفسه بما لا يشركه فيه غيره،
حتى وإن كان شراباً يؤثره به عمه ، لذا أعاد عليه
أخرى (اسقني) فسقاه عمه العباس مما يشرب منه الناس،
فقال – صلى الله عليه وسلم- (أحسنتم وأجملتم، هكذا فاصنعوا)، ثم أتى زمزم - وبنو
عبد المطلب يسقون ويعملون فيها ، فقال.. (اعملوا
فإنكم على عمل صالح)، فنزعوا له دلواً فشرب منها، ثم مجَّ فيها من فمه الطيب مجة،
فأخذوها وأفرغوها في زمزم؛ حتى تعم بركة بقية شرابه ومجته من بعده،
ثم قال لهم، (
لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي، حتى أضع الحبل على هذه)
وأشار إلى عاتقه، وذلك أنه لو نزع لصارت سنة
يتبعه فيها الناس، ولغُلِبَ بنو العباس على سقايتهم
التي كانت من مآثرهم قبل الإسلام، ولذا شرب من الدلو مع الناس، ولم ينزع مع بني عمه
حتى لا يغلبوا عليها..
ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى منى
، فـ صلى بالناس صلاة الظهر،
ولك أن تتساءل، كيف اتسع وقته لكل هذه الأعمال
من الرمي، والخطبة،
وإفتاء الناس، وانزالهم منازلهم،
ثم النحر لثلاث وستين بدنة، ثم الحلق،
والتهيؤ لـ الطواف باللباس والطيب، ثم القدوم
للبيت والطواف، ثم الرجوع بعد ذلك؟!
.
![]()
فـ كيف اتسع لذلك كله صخوة من نهار، إنها البركة التي
جعلها الله في وقته وعمله، ولـ ذا أنجز في هذا الوقت
كل هذه الأعمال الكثيرة، فإن أبيت التساؤل فانظر كيف
اتسعت ثلاث وعشرون سنة من عمره لأعظم إنجاز في تاريخ البشرية،
وهو بلاغ رسالات الله إلى الخلق، واستنقاذهم من النار،
وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
عاد –صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها يومه يصلي الصلوات في أوقاتها ويقصر
الرباعية منها، ووقته معمور بالذكر؛ عملاً بقول الله
–عز وجل-:"واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر
فلا إثم عليه لمن اتقى" ،
والمستشرف لأخبار النبي وحاله يُرى أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في قبته ويكبر
أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بـ التكبير،
حتى إذا كان اليوم الحادي عشر - ويسمى يوم الرؤوس - خطب الناس على بغلة شهباء وعليه
برد أحمر، وعلي رضي الله عنه يبلغ عنه الناس، قال
رافع بن عمرو المازني رضي الله عنه، أقبلت مع أبي
وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في حجة الوداع فإذا رسول
الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على بغلة شهباء وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه
يعبر عنه والناس من بين جالس وقائم فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة فأخذت
بركابه ، ووضعت يدي على ركبته فمسحت حتى الساق حتى
بلغت بها القدم ثم أدخلت كفي بين النعل والقدم فيخيل إلي الساعة أني أجد برد قدمه
على كفي، ولأن عجب رافع بن عمرو من برد قدم
النبي صلى الله عليه وسلم فـ إننا نعجب من برد خلقه ،
وطيبه نفسه، إنها النفس الرضية والخلق العظيم أن يمضي
صلى الله عليه وسلم في خطبته ويدع الغلام يمسح قدمه،
ويدخل يده تحت شراك نعله وهو ماضٍ في شأنه معلماً بحاله ومقاله،
فلما زالت الشمس توجه إلى الجمرات ماشياً فبدأ بالصغرى فرماها بسبع حصيات يكبر الله
مع كل حصاة ثم تقدم حتى أسهل لـ يبعد عن زحام الناس،
فرفع يديه واستقبل القبلة ودعا وتضرع طويلاً، ثم قصد
الجمرة الوسطى فرماها كما رمى الصغرى، ثم أخذ ذات
الشمال واستقبل القبلة ورفع يديه داعياً متضرعاً وأطال الوقوف،
ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف عندها،
وهكذا صنع في اليوم الثاني عشر والثالث عشر، وكان -
صلى الله عليه وسلم - سمحاً في إقامة المناسك ، وهو
المبعوث بالحنفية السمحة، ميسراً للناس رفيقاًَ بهم،
فمن ذلك أنه رخص للرعاة أن يرموا يوم النحر ثم يدعوا يوماً ثم يرموا من الغد،
ورخص لـ العباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، ولم يحفظ عنه في حجته أنه أوجب
دماً على أحد برغم كثرة الجموع معه، وكونهم حدثاء عهد
بالإسلام، يؤدون حجهم أول مرة، وإنما كان هجيراه
للناس افعل ولا حرج، لا حرج لا حرج، قد أذهب الله
عنكم الحرج، مصدقاً قول ربه، "وما
جعل عليكم في الدين من حرج"،
وهكذا انقضت ثلاثة أيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم في
منى التي شهدت فجاجها وشعابها دعوته الأولى قبل بضع عشرة سنة،
يوم كان يغشى قبائل العرب في مواسمها، ويدخل
عليها فجاج منى يدعوهم إلى الله، وقومه جُرءَاءُ عليه، يجاهرونه بالكفر، ويبادرونه
بالعدوان، ويتعاقدون على القطيعة، يذكر هذا كله وفجاج
منى تذكره بماضيها معه، وماضيه معها، يوم سرى في ظلمة الليل مواعداً عصبة الأنصار،
يتسللون إليه تسلل القَطا ليبايعهم على الهجرة، مستخفياً من قومه أن ينذروا
به، هل ذكَّرت منى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وغيره ليقول لما سئل،
أين تنزل غداً يا رسول الله؟ قال:
( في خيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر).
لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم خيف بني كنانة مكاناً لـ نزوله إذا خرج من
منى، ليظهر جميل صنع الله وصدق موعوده،
فهذا المكان هو الذي تعاقدت فيه قريش وحلفاؤها بنو كنانة على مقاطعة بني
هاشم وبني المطلب فـ لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم محمد